أول الكلام


نقرأ معاً.. نفكر معاً..الحياة مشاركة




الاثنين، 3 سبتمبر 2018

لا تقفل قلبك للريح








لا تقفل قلبك للريح
لا تقفل قلبك على وجعٍ
ارسم في الصفحة وردا..
وغدا يزهر في الطرقات
**
افتح كفك لا تتردد
في الوسط عينٌ للقدر
( يا حافظ) كُن في العون
من شر يترصد بالقلب

**
كلّ الموج هنا
فابحر لا تخشى الغرق
الخوف داء عضال
والروح لا تخشى الأقدار
ابحر في أبواب الجنة
من نفسك قم وتحرر
ما جدوى جسدٍ مقدام
و الروح تخشى الظل ؟

#الصورة #تونس #المدينة_القديمة

ملبورن : القهوة والفن والمعمار مدينة اليونسكو للأدب


 نُشر في مجلة شرق غرب، العدد 13، 2مايو 2017

مقدمة:
رغم أن مدينة ملبورن الواقعة في الجنوب الشرقي من قارة استراليا هي ثاني أكبر المدن الأسترالية بعد مدينة سيدني، إلا أنها تتمتع بجوار إبْهَار المدن وجذبها المركزي، بسحر القرية الفسيحة وطيبة قاطنيها ومزاجها المسترخي. ولذلك فإنه ليس من الغريب أن تحقق مدينة ملبورن في عام 2014 ولخمس سنوات متتالية، لقب المدينة الأفضل للعيش في العالم. في هذه المدينة المحُبة للثقافة والمعمار والمقاهي يمكن للسائح أن يتمتع بكل ميزات المدن الكبرى، ويبقى مع ذلك مستمتعا بمساحاتها ومنتزهاتها الخضراء، والتي يمتد بعضها على نهر يارا، ذلك النهر الذي يهب المدينة رونقا مختلفا في كل وقت من اليوم، وفي كل فصل من فصول السنة.
تجمع  ملبورن بين ثقافات ولغات مختلفة، فهناك السكان المحليون وهناك المهاجرون الذين تعود أصولهم الى أوروبا ومهاجرون من دول آسيوية مختلفة. وفي أثناء تجوالنا بالمدينة توقفنا مرةً حائرين حول الاتجاه الذي يجب أن نسلكه، ليرشدنا مجموعة من العابرين اللطفاء، وفي أكثر من مرة داخل الترام المجاني - الوسيلة الأكثر مناسبة للسياح- الذي يتوقف عند محطات مختلفة في قلب المدينة، كان الراكبون يقابلون استفساراتنا بكل رحابة صدر. وتشير أحد المقالات التي نشرها موقع البي بي سي إلى أن نصف سكان ملبورن ولدوا خارجها وهذا يفسر تعامل سكان المدينة بانفتاح ولطف مع من ينتمون إلى الثقافات والحضارات الأخرى. وتشترك في هذه الميزة مدنٌ أسترالية أخرى، اختبرتُ فيها تجربة التعايش الثقافي مثل مدينة بريزبن في محافظة كوينزلاند الواقعة في الشمال الشرقي من استراليا.

الثقافة والفن والمعمار
ليس من الغريب أن تُلّقب ملبورن بمدينة اليونسكو للأدب فهناك ما يقرب من 42 متحفا في مدينة ملبورن، تتنوع مواضيعها ومعروضاتها بين الأدب والفن والتاريخ والرياضة والسينما والتكنولوجيا وبعضها مخصصة لتاريخ أعراق وديانات محددة. ولا تهدأ الحركة الثقافية والفنية في هذه المدينة المفعمة بالحياة، فنظرة سريعة للمنشورات والاعلانات الترويجية المطبوعة في المراكز والمسارح الثقافية والفنية كافية لندرك كم هذه المدينة شغوفة بالفنون المختلفة. فإلى جانب المعارض الفنية التي تقدم أعمالا ثابتة يمكن مشاهدتها طوال السنة، تكثر المعارض المؤقتة التي تتناول مضامين متخصصة كفنون السكان الأصليين أو الأزياء التي تعود إلى فترات تاريخية محددة أو معرضا وثائقيا حول تاريخ التلفاز والسينما أو مقتنيات خاصة جاءت من دول أخرى. تقوم هذه المتاحف أيضا بتقديم الكثير من الورش الثقافية والفنية المخصصة للكبار والصغار. ونجد أن أغلب متاحف ملبورن تفتح أبوابها للمهتمين بلا رسوم، وربما يرغب بعض السياح بوضع تبرعاتهم بشكل اختياري في صناديق مخصصة لذلك.
وقد تصادفت فترة زيارتي لمدينة ملبورن مع تدشين ولاية فكتوريا بشكل عام، ومدينة ملبورن بشكل خاص لمهرجان جديد تحت عنوان ASIA TOPA ، وهو اختصار لعنوانه الأساسي Triennial of Performing Arts ، أي المهرجان  الذي سيتم عقده كل ثلاث سنوات للاحتفاء بالفنون المسرحية والأدائية. ويهتم هذا المهرجان بالثقافة والفنون الاستعراضية والمسرحية والفنية المعاصرة التي تجمع قارة استراليا بمنطقة شرق آسيا ودول المحيط الهادئ، وذلك بهدف التعرف على ثقافة الدول المجاورة لقارة استراليا. وقد انطلق هذا المهرجان في شهر يناير2017 ومن المخطط له أن يستمر حتى نهاية ابريل 2017. وعلى مدى هذه الشهور الأربع قامت المراكز الفنية المعنية بالتعاون معا من أجل تقديم عشرات الفعاليات النوعية والمُدهشة في أفكارها، ركزت فيها على الموسيقى والرقص وفنون المسرح والاستعراض، إلى جانب أشكال مبتكرة من الفنون البصرية المعاصرة، كما جمعت في فعالياتها لقاءات مشتركة لعدد من الفنانين وصانعي الأفلام والموسيقيين والأكاديميين.

أيضا جاءت زيارتي مثُريةً  بحق بصريا وحسيا لثلاثٍ من المتاحف والمراكز الفنية في المدينة وهي: المتحف الأسترالي للفن المُعاصر  (Australian Centre for Contemporary Art)، والمتحف الوطني في فيكتوريا National Gallery of Victoria) )، والمركز الأسترالي للصور المتحركة (Australian Centre for the Moving  image)  والذي يُعد الأول من نوعه في العالم من حيث اهتمامه بالأفلام وتاريخ الصور المرئية والألعاب ووسائل الإعلام الجديدة.  كانت هذه الجولة الفنية في المتاحف السابقة، باعثة على التفكير بقدرة الإنسان على الابداع اللامحدود في نواحي الفكر والفن، وكيف يمكن للمرء أن يكون خلاّقا ومُنتجا للجمال والسلام من خلال تحفيز الآخرين على السمو بأفكارهم ورؤية الجمال في هويتنا الخاصة، من غير أن نغفل عن الرسائل الاجتماعية والفكرية التي تجمع البشر جميعا. في مثل هذه المتاحف لا يمكن للمرء أن يلتفت إلى المقتنيات المعروضة من لوحات وأعمال فنية فقط، بل عليه أن يتأمل أيضا في الطرق الإبداعية والمشوقة التي تُعرض بها هذه الأعمال الفنية للزائرين. ومرة أخرى فكل ما سبق لا يشكل سوى أجزاءً من لوحة جمالية أكبر تتعلق بالتصميم المعماري لهذه المراكز الثقافية، قديمة كانت هذه الطُرز المعمارية أم حديثة.  إلا أنها تدفعنا للتفكير بالألوان والخطوط والمساحات التي تم توظيفها، وكيف انسجمت هذه العناصر مع المقتنيات وهندسة المكان لتنتج فنا معماريا ذو طابع خاص، نجح فيه مصمموه في التمرد على الأشكال الهندسية المنتظمة، وكسر هذا الانتظام بأفكار غير مألوفة تثيرك بفرادتها.
وإلى جانب المسارح والمتاحف والمراكز الثقافية، تشكل مكتبة الدولة العامة أحد المعالم التاريخية البارزة في ملبورن. فقد تأسست هذه المكتبة عام 1845 وتُعد بذلك أقدم مكتبة عامة في استراليا، وواحدة من أوائل المكتبات المجانية في العالم. على مدخل المكتبة باحة واسعة تُمكنك من التقاط صورا تذكارية لهذا المبنى التاريخي، ومع حركة الشوارع والمقاهي والمواصلات المحيطة بهذا المبنى فإن هناك شطرنجا مصنوعا من الرخام يشغل حجمه جانبا من أرضية مدخل المكتبة، حيث انشغلا رجلان في لعبة الذكاء في الهواء الطلق وتحت زخات المطر التي كانت تتساقط في ظهيرة ذلك اليوم. تمتد هذه المكتبة على عدة طوابق تمنحها شكلا دائريا مميزا، يمكنك من خلاله مشاهدة طوابق المكتبة المتعددة، التي تضم معروضات مؤقتة، تتغير مقتنياتها ووعناوينها من فترة لأخرى. تقدم المكتبة خدمات متعددة لزائريها فهناك مساحات متسعة مخصصة لأغراض البحث أو الدراسة أو فقط الجلوس باسترخاء مع كتابك المفضل.

فن الجرافيتي:
تنقل ملبورن مفهوم الفن من المتاحف والمعارض المغلقة إلى الشارع، ففي هذه المدينة الواسعة بشوارعها، اللافتة بتصاميمها الهندسية المعمارية لا يمكن لأي محب للفن أن يغفل عن مسحة الجمال والفن في شوارعها ومبانيها القديمة والحديثة. فعلى بعض الأرصفة ستجد حتما مجموعة من المحترفين أو الهواة الذين يقومون بالرسم على رصيف الشارع، ومجموعة أخرى تعرض أعمالها الفنية، وعدد آخر يقوم بالعزف على الآلات المختلفة على نواصي الشوارع.
تشتهر مدينة ملبورن، ومعها أيضا مجموعة من المدن العالمية بتوجهها إلى التركيز على الفنون العامة، ومع أن هذا المصطلح  Public Arts قد يتقاطع مع مصطلح آخر هو فنون الشارع    Street Artsإلا أن المصطلحين معا لا يشيران  في ترجمتهما العربية إلى مضمون ونوعية الأعمال المُدرجة تحت هذه الفنون وهي  المجسمات والتماثيل والأعمال الإبداعية التكوينية المختلفة، التي يصنعها فنانون معروفون، ويجمعها أنها تُعرض بموافقة الجهات المختصة في الهواء الطلق والمساحات المفتوحة كالحدائق والشوارع والساحات العامة، وذلك بلا مقابل بهدف إضفاء الجمال على المنطقة ولتقريب الناس إلى الفن. وفي مقابل ذلك يبرز فن الشارع أو الجرافيتي أو الجداريات، الذي لا يوثق لاسم فنان محدد وقد لا يجد قبولا بين العامة والمهتمين، إلا أنه وللمفارقة أصبح أحد المعالم السياحية الجاذبة في مدينة ملبورن. فعددٌ من أزقة ملبورن أصبحت مقصدا للسياح بسبب فن الجرافيتي، الذي يزين جدران أزقة بأكملها، وكأنك تدخل عالما آخر بنكهة الشوارع الشعبية وذوقها رغم أنك في قلب المدينة الحديثة التي تحاول أن تسمو على العشوائيات، لتقابلك لوحات مدهشة متعددة الألوان، وتجذبك فوضاها المتقنة. هنا أنصحك بكل يقين أن ترتدي أزهى ما لديك في خزانة ملابسك وتقف أمام هذه الأزقة لتلتقط صورا فنية مميزة، ولتتماهى مع هذه المشاهد الجرافيتية المتغيرة.
 ويعرّف المختصون فن الجرافيتي بأنه الرسم أو الكتابة بأي وسيلة أو أداة فنية على الممتلكات العامة أو الخاصة من غير إذن، ورغم أن البعض يرجع أصول هذا الفن إلى فترات تاريخية قديمة، إلا أنه أصبح وسيلة لإظهار الغضب أو الاحتجاج وبشكل عشوائي على جدران الشوارع، من أجل نقل آراء اجتماعية أو رؤى سياسية مهمشة. ويجيز القانون في ملبورن لفناني الجرافيتي بالرسم على الممتلكات الخاصة بعد موافقة أصحابها، كما يوفر أيضا خدمة إزالة الجرافيتي إذا لم يرغب بها أصحابها، إلا أن هذه الرسومات أصبحت تجذب الساكنين والسياح، ربما لأنها أصبحت تؤدى بأسلوب يمزج بين البعد العشوائي والألوان الصارخة والمتنافرة للجرافيتي وبين الجانب الجمالي الذي يجعلك تتوقف متأملا في تفاصيله، كما أن ما يميز هذه الجداريات أنها تتغير بين فترة وأخرى، وبذلك تمنح هذا الفن بعدا متجددا ومواكبا أحيانا للأحداث الراهنة. وتوفر مدينة ملبورن للسائحين جولات بعضها مجانية وبصحبة فنانين محليين للتعرف على الجوانب الفنية والابداعية التي يمكن مشاهدتها في شوارع المدينة وأزقتها المختلفة.

القهوة في كل مكان:
في قلب المدينة النابض يجري شريانا من الحياة يُسمى نهر يارا. وعلى جوانب هذا النهر تنتشر المقاهي والمطاعم والأماكن المخصصة لممارسة رياضة المشي أو ركوب الدراجات الهوائية، إلى جانب الحدائق الخضراء وأماكن للعائلات ومناسبات الشواء، وبعضا من أفضل الملاعب الرياضية ذات المستوى العالمي. هذا المزاج الرائق لجو المدينة يجعلك تستمتع بالتسوق في مراكزها وساحاتها المفتوحة، فحتى مراكز المدينة التجارية لا يمكن أن نطلق عليها أماكن مغلقة، فتصاميمها الأنيقة تجعلك تشعر وكأنك تنتقل في مساحات مفتوحة يحمل بعضها أسقفا مرتفعة ذات تصاميم مبتكرة قد يغلب عليها الطابع الحداثي وقد نجد بعضها محافظاً على الجانب التاريخي إلا أن ذوقها المعماري يجبرك على التوقف والتأمل في النور والحياة التي تتخلل منها، فتشعر بالانفصال عن حركة الشارع في الخارج من غير أن تفارقها !
ويمكنك أن تتمتع بلوحات بانورامية وبصور آخاذة لكل ما سبق من معالم، إلى جانب رؤية محطة قطارات فلندرز وملاعب الكريكت وبحيرة ألبرت، إذا قمت بزيارة الطابق الثامن والثمانين في برج يوريكا سكاي ديك  Eureka Skydeck 88 الذي يقع في منطقة ساوث بنك السياحية ويرتفع  هذا البرج مسافة 975 قدما. ورغم أنك تنظر في النهاية الى مدينة لا تهدأ، إلا أن اليوم في ملبورن لا يمكن أن يبدأ وينتهي إلا بالاسترخاء قليلا مع كوب من القهوة المسائية وبعض الحلويات المغرية المتوفرة في مقاهيها الكثيرة، وهي متعة لا يمكن تفويتها. وبإمكانك أن تتخيل وأنت تسير في شوارع المدينة في نهاية اليوم أن ساكنيها وزائريها لم يفعلوا شيئا أكثر من شرب القهوة باستمرار، حتى تلك العصافير الصغيرة وبعض الطيور الأكبر حجما لم تفتأ عن التوقف عند بقايا قهوتك العابرة أو ذلك الفتات المتناثر من قطعة خبز الموز الشهية التي بدأت بها يومك الحافل في أكثر المدن حياة وحيوية.



صراع المصطلحات الإعلامية

نُشرت في مجلة شرق غرب، العدد 8، 18 يناير 2016
صراع المصطلحات الإعلامية
ظاهرتان استَرْعَتا انتباهي في مسيرة الإعلام العربي، أُركِّز عليهما في هذا المقال، مع التأكيد على أنَّهما تستدعيان مزيدًا من البحث والنقاش؛ الظاهرة الأولى عهدناها في فترة ما قبل ثورة التغيير في الإعلام العربي، والتي تمثَّلت في انطلاق قناة “الجزيرة” وقنوات أخرى لاحقاً، وما تبع ذلك من تغييرات جذرية في مُجمل الخطاب الإعلامي العربي ومضامينه وأدائه ومهنيته، حينها كان الإعلام الرسمي العربي أداةً لإعادة إنتاج الأخبار الغربية عبر اشتراكه في استهلاك الخدمات الإخبارية التي تقدمها الوكالات والصحف الدولية.
صناعة الخبر الإعلامي
وبما أنَّ أحد مُتطلبات صناعة الخبر الإعلامي هو تأسيس شبكة من المراسلين والصحفيين والمصوِّرين الموجودين في ساحة الحدث، ومن ثمَّ صياغة الخبر وفق معايير مهنية محددة وإعادة إرسال هذه الأخبار عبر الوكالات الدولية العالمية المعروفة؛ مثل: رويترز، والإسوشيتدبرس…وغيرهما؛ فإنَّ هذه الصناعة كانت صناعة غربية بامتياز. وقد سادتْ لفترة طويلة نظريات التدفق الإخباري غير المتوازن من دول الشمال إلى دول الجنوب، إلى الدرجة التي أضحت فيها هذه المصادر الأجنبية -وما أفرزته من مصطلحات ومفاهيم- البديل الوحيد رغم انحيازه لظاهرة التكتم الإعلامي الداخلي حول أحداث المنطقة العربية والشأن المحلي ومشاكلهما. ورغم وعي الباحثين اليوم بالمواجهات اللغوية التي تقودها جهات متعددة لإنتاج المصطلحات الإعلامية، إلا أنَّ صحفنا المحلية مثلا لا تزال محافظة إلى حدٍّ كبير على الصياغة الخبرية التي تتبناها الوكالات والصحف العالمية فيما يتعلق بالأخبار الدولية، ويُمكن مُلاحظة مدى تشابه الصياغة الخبرية للأخبار المُستقاة من المصادر الخارجية إذا ما قارنا الأخبار ذاتها في الصحف العُمانية، في حين أنَّ هذه الصحف تنتهج أسلوبا مخالفاً تماما في الصياغة الخبرية للأخبار المحلية، مُقدمةً شخصيات الحدث الرسمية على قيمة الحدث نفسه، بل وإغفال آنية الأخبار، رغم أنها تمثل واحدة من القيم الإخبارية المهمة التي تجعل الخبر محور اهتمام.
توطين المصطلحات الإعلاميَّة
وفي الإشكالية ذاتها، فإنَّ هناك العديدَ من المصطلحات الإعلامية الأجنبية التي تمت ترجمتها بشكل حرفي من غير مراعاة قضية (توطين المصطلح) حسب السياق الثقافي واللغوي العربي. ويؤكد د.جمال الزرن* هذا التوجه؛ فهو يرى أن الإعلام العربي يقوم باستهلاك مصطلحات جاهزة من الإعلام الغربي؛ من خلال عملية ترجمة الرسائل الإعلامية الغربية إلى العربية دون تفريغها من خلفيتها الثقافية والحضارية لتناسب الجمهور المحلي. ويضرب مثلا على ذلك باستخدام مصطلح “قوات التحالف”؛ حيث يتساءل: “كيف تعتمد الصحافة العربية مصطلح “التحالف” ومجلس الأمن ضده؟! إنَّ تبني المصطلحات يعني تبني القناعات والخلفيات التي قامت من أجلها هذه الحرب”.
ورَغْم تميُّز الإعلام العربي -خاصة القنوات الفضائية- في تغطية الغزو الأمريكي على العراق، وانتشار مراسلي هذه القنوات كـ”الجزيرة” و”العربية” في عدد كبير من المناطق العراقية، وتحديهم المستمر للروايات الأمريكية، وكشف تناقضها بشأن ما يحدث في ساحة القتال، إلا أنَّ الباحث ( كنانة، ٢٠١٢)** يناقش المصطلحات المستخدمة في الحرب الأمريكية على العدوان، ويرى أنَّ معظم القنوات الإعلامية العربية لم توفَّق في اختيار المصطلح المناسب؛ فقد اختارت قناة “الجزيرة” -مثلا- مصطلح الحرب على الإرهاب، وهو مصطلح مترجم عن إعلام البنتاجون (War on Iraq) ويسبغ على الحرب الشرعية الاجتماعية والأخلاقية التي توجب الاصطفاف حوله، وهو استخدام مُشابه لمصطلحات أمريكية أخرى؛ مثل: الحرب على المخدرات، والحرب على الجريمة. ويضيف الباحث بأنَّ قناة “الحياة” اللبنانية مثلا اختارت مصطلح “حرب على العراق”، وقناة “المستقبل” “العراق في مهب الريح”، وهي عناوين غير دقيقة، بينما اختارت “المنار” المصطلح الأقرب للواقع -كما يرى الباحث- وهو “العدوان الأمريكي البريطاني على العراق”.
الضغط الشعبي
إلى جانب تبنِّي المصطلحات الغربية الإعلامية وجوانبها الفكرية فيما يتعلق بصراعات ومشكلات المنطقة المتعددة مع القوى الدولية، فإنَّ هناك انسياقا لتبني ما يتصل بهذه المصطلحات من ممارسات سياسية وتعبوية على المستوى الدولي، ومن غير التفات إلى أن هذه المفاهيم والمصطلحات تمت صناعتها وصياغتها في سياق غربي ينطلق من موقف القوة الذي تتمتع به تلك الدولة، ويعكس سياساتها وتوجهاتها الأجنبية، وما تحاول أن تفرضه على المنطقة العربية. ومن الأمثلة الجديرة بالذكر، والتي أدت إلى حيرة الإعلام العربي، ومن ثم أجبرته -بسبب الضغط الشعبي- على تغيير مصطلحاته، وهو ما أسفر عنه انسحاب الكيان الصهيوني من الجنوب اللبناني -عدا مزارع شبعا- في العام ٢٠٠٠؛ حيث إنَّ القنوات العربية دأبت على السير على خطى السياسة الأمريكية والإعلام الغربي في تسمية حزب الله بالمنظمة الإرهابية طوال السنوات التي سبقت التحرير، رغم أنَّ هذا التصنيف السياسي بالدرجة الأولى تصنيفٌ أمريكي غربي ترتبت عليه آثار دولية عديدة، إلا أنَّ وسائل الإعلام العربية تبنت هذا المسمى وأصبحت تصف الحزب بالمنظمة الإرهابية في توافق تام مع الإعلام الغربي والإعلام الصهيوني.
جاء التخبط -وربما التحدي- بعد التأييد الشعبي الواسع لنجاح الحزب في تحرير أراضٍ عربية مسلوبة من جهة لطالما أشار إليها الإعلام العربي في خطاباته بالدولة المحتلة والمعتدية، وساد فيها لسنوات الخطاب الذي يُؤكد على رغبة العرب في مواجهة حاسمة لانتزاع حقوقهم المسلوبة من الصهاينة. وفي هذا الوضع المحرج، كان من غير الممكن للإعلام العربي -وتحت ضغط مشاعر الفرحة والبهجة التي اجتاحت الكثيرين- أن يستمر في توصيف الحزب بهذه الطريقة. ومن الملاحظ أنه رغم ظهور جماعات إسلامية أخرى في المنطقة كـ”القاعدة” و”داعش”، إلا أنَّ عدداً من القنوات العربية لم تستخدم تسمية الجماعات الإرهابية لوصف هذه الجماعات المتشددة فكريًّا؛ لأسباب لا يتسع المقال هنا لعرضها. (لمزيد من القراءة حول التناول الإعلامي العربي والدولي لحزب الله قبل وبعد تحرير الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٠، يُرجى مراجعة الكتاب التالي: “صورة المقاومة في الإعلام: حزب الله وتحرير لبنان”، تأليف محمد محسن وعباس مزنر، مركز الدراسات الإستراتيجية للبحوث والتوثيق، ٢٠٠١).
فخ المصطلحات
الظاهرة الأخرى التي اجتاحت الإعلام العربي، والتي أفرزتها الصراعات العربية-العربية الطاحنة، المشحونة بدعوات الطائفية والعرقية والتكتلات السياسية المختلفة مع القوى الخارجية: وقوع القنوات العربية التي تمتَّعت بنوع من الاستقلالية المؤقتة في بداياتها في فخ حسابات هذه التكتلات السياسية، ومن ثم قيامها بحروب إعلامية بالنيابة عن دولها، ونتج عنه ما يمكن أن أسميه بتفصيل المصطلحات، حيث يتم إنتاج المصطلح وتوظيفه حسب النموذج الإعلامي الذي سيُقدم فيه. وإذا تغاضينا عن الإفراز المصطلحي للإعلام الغربي، فإنَّ الإعلام العربي أصبح يُتقن لعبة المصطلحات ودلالاتها وتأثيراتها على المتلقي، خاصة مع توظيف الجانب التكنولوجي بشكل حرفي، وظهور شبكة من المراسلين والصحفيين والمقدمين المتخصصين، وتميُّز بعض هذه القنوات في الصحافة الاستقصائية، إلا أنه أصبح من الشائع أن نسمع إعلام دولة عربية يصف مجموعة محددة بالمتمردين، في حين يصفها إعلام دولة مجاورة بالمسلحين أو المقاتلين أو الثائرين. أو أن تسبغ جهة محددة على ضحاياها لقب الشهداء، في حين تكتفي جهة أخرى بوصفهم بالقتلى أو الضحايا، وهو ما أدَّى إلى تغيير حتى في المفهوم الديني لبعض المسميات كلفظة الشهيد مثلا.
ورَغْم أنَّ الإعلام العربي أصبح أكثر تحكماً وتمكنا في استخدامه للمصطلحات الإعلامية -وتوظيف ما سماه الدكتور علي ناصر كنانة بـ”جيوش اللغة والإعلام”-  في المواجهات العربية-العربية في السنوات الأخيرة، لكنه فشل في هذه المهمة في صراعاته العربية-الدولية، وانساق وراء المصطلحات المستوردة، مُتجاهلا أن اللغة اعتقاد وسياق وسياسة لا يمكن أن نجتزئ منها المصطلح ونغفل عن ارتباطاته الأخرى.

بين المهنية والحقوق التاريخية
وهنا.. لابد من مرارة الاعتراف بأنَّ الإعلام العربي بتساهله وتبنيه بعضَ المصطلحات التي أقرَّتها قوى دولية بدعوى المهنية، قد تنازل بذلك عن حقوقه الحالية، بل وحتى حقوقه التاريخية؛ فقد توقف الإعلام العربي منذ زمن طويل عن وصف الكيان الصهيوني بهذا الاسم لصالح اسم “إسرائيل”، ودخلت مسميات لمدن حديثة نشأت أساسا على مدن مسلوبة؛ مثل: “تل أبيب”، ومصطلحات مثل: “الجدار الأمني” عوضا عن “جدار الفصل العنصري” في إعلامنا العربي، وأصبحت بعض القنوات المؤثرة لا تتردَّد في إظهار خريطة فلسطين على أنها “دولة إسرائيل”. بالتأكيد؛ فإنَّ هذا التكرار في الخطاب الإعلامي يؤدي إلى تغذية مباشرة لأذهان المتابعين، ويرسِّخ المفاهيم والمصطلحات الحديثة بشكل سلبي في هذه الحالة، ويؤكد على قبول ضمني بوجود دولة مغتصبة، بدعوى المهنية التي سقطت واقعاً عند مناقشة تلك القنوات لقضايا عربية-عربية عديدة. كما أدَّى هذا لاحقاً إلى استضافة بعض الشخصيات الصهيونية من باب الرأي والرأي الآخر؛ مما يطرح سؤالا مهمًّا حول مدى تطبيق هذه المهنية وقبول الرأي الآخر فيما يتعلق بالقضايا العربية-العربية، وكيف يُمكن التوازن بين متطلبات المهنية والسقوط في فخ الآخر المغُتصب والمتحلل من كل القوانين والأعراف الدولية ذاتها. وفيما يتعلق بالمصطلحات الإعلامية في الوسط العربي، فإنها ستبقى تراوح مكانها أمداً طويلاً بقدر استمرار الحروب والصراعات الأهلية العربية-العربية، وربما تؤدي إلى انصراف المشاهد العربي في نهاية الأمر عن متابعة القنوات العربية المسيَّسة، والعودة مرة أخرى إلى مربع القنوات الغربية؛ طلبًا للتوازن الإعلامي.
—————-
* (خليل، عبد علي خليل)، تفوق الإعلام العربي في حرب المصطلحات والمفاهيم، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 230 – الخميس 24 أبريل 2003م.
** (كنانة، علي ناصر)، جيوش اللغة والإعلام: دراسة مقارنة في لغة وإعلام الغزو الأمريكي للعراق 2003، منشورات الجمل، بيروت: ٢٠١٢.